ما ترونه في الصور المرفقة ليس مجرد مشاهد قديمة من حي شعبي في القاهرة، وإنما صفحات من تاريخٍ مضطرب كُتبت تفاصيله في شوارع إمبابة تحديدًا خلال عام 1992؛ العام الذي شهد واحدة من أكثر المواجهات إثارة للجدل بين الدولة والجماعة الإسلامية في قلب العاصمة.
إنها حكاية جابر محمد أحمد ريان، الرجل الذي اشتهر لاحقًا بلقب غريب لفت أنظار الصحافة والإعلام: «رئيس جمهورية إمبابة».
لكن كيف وصل شاب بسيط من صعيد مصر إلى أن يصبح واحدًا من أشهر وجوه الجماعة الإسلامية في إمبابة؟ وكيف تحولت منطقة شعبية في قلب القاهرة إلى ساحة مواجهة واسعة بين الدولة وأنصار الجماعة؟ وما علاقة كل ذلك بفيلم «دم الغزال»؟
هذه هي الحكاية من بدايتها.
من أسيوط إلى القاهرة.. البداية كانت مع الكهرباء
بدأت القصة في إحدى قرى محافظة أسيوط، حيث نشأ شاب صغير اسمه جابر محمد أحمد ريان.
لم يكن جابر في بداياته يفكر في السياسة أو الجماعات الدينية أو الصدام مع الدولة. كان شابًا عاديًا يحاول أن يتعلم حرفة توفر له مصدرًا للرزق، فاتجه إلى تعلم مهنة فني الكهرباء.
ومع ضيق فرص العمل في الصعيد، انتقلت الأسرة إلى القاهرة بحثًا عن حياة أفضل.
وفي أواخر سبعينيات القرن الماضي، بدأ جابر العمل في محل «الخواجة رزق» بشارع شامبليون، بالقرب من منطقة ميدان التحرير.
كانت القاهرة آنذاك تمر بمرحلة سياسية واجتماعية شديدة التعقيد، وكانت التحولات التي شهدتها مصر في عهد الرئيس أنور السادات تفتح المجال تدريجيًا أمام تيارات دينية مختلفة، في محاولة لمواجهة التيارات الناصرية واليسارية والقومية التي كانت تمثل خصمًا سياسيًا مهمًا.
وهكذا بدأت جماعات إسلامية مختلفة في الانتشار وسط المجتمع، بعضها عبر الجمعيات الخيرية، وبعضها من خلال المساجد والدروس الدينية ومساعدة الطلاب والفقراء.
في البداية، لم يكن جابر جزءًا من هذا المشهد.
كان لديه هدف آخر تمامًا: السفر بحثًا عن فرصة عمل وحياة أفضل.
العراق.. محطة غيّرت مسار جابر ريان
تمكن جابر من الحصول على عقد عمل في العراق، فسافر إليها ومكث هناك عدة سنوات، حتى أواخر الثمانينيات تقريبًا.
وعندما عاد إلى مصر، بدا أن شيئًا ما قد تغيّر داخله.
اقترب أكثر من الصلاة والمساجد، وبدأ الالتزام الديني يأخذ مساحة أكبر من حياته، ثم انضم إلى جماعة التبليغ والدعوة.
كانت الجماعة تركز بصورة أساسية على الدعوة إلى الصلاة والتدين ومساعدة الناس، بعيدًا عن العمل السياسي المباشر.
لكن يبدو أن هذا النهج لم يكن كافيًا بالنسبة إلى جابر.
ففي إحدى المرات طرح سؤالًا بدا بالنسبة إليه منطقيًا:
لماذا لا نعمل في السياسة؟
كان الرد واضحًا: نحن لا نعمل في السياسة.
لم يقتنع جابر.
وتساءل، بحسب الرواية المتداولة عنه: إذا كنا نريد تحرير القدس وتغيير واقع المسلمين، فهل تكفي المساعدات والدعوة وحدهما؟
كانت تلك النقطة بداية ابتعاده عن جماعة التبليغ والدعوة، واتجاهه نحو تيار أكثر تشددًا وانخراطًا في الشأن العام.
مسجد الرحمن.. الطريق إلى الجماعة الإسلامية في إمبابة
انتقل جابر بعد ذلك إلى مسجد كان معروفًا في إمبابة باعتباره أحد مراكز نشاط الجماعة الإسلامية.
كان المسجد يُعرف باسم مسجد الرحمن في شارع 14 بمنطقة شارع الاعتماد.
وبحسب الرواية، التقى جابر هناك بالشيخ علي عبد الظاهر، الذي كان من المسؤولين عن الجماعة في المنطقة.
وهنا بدأ السؤال يأخذ شكلًا أكثر تنظيمًا:
كيف يمكن تطبيق الشريعة داخل المجتمع؟
لم تكن الجماعة، وفق ما ترويه شهادات عن تلك المرحلة، تعتمد على الدعوة الدينية وحدها، وإنما سعت إلى بناء وجود اجتماعي واسع داخل المناطق التي تنشط فيها.
كانت الفكرة تبدأ باستقطاب الشباب من خلال الحديث عن الصلاة والتدين والقضية الفلسطينية، ثم بناء حضور اجتماعي مباشر من خلال مساعدة السكان وتقديم الخدمات لهم.
فكان هناك اهتمام بالمستوصفات، والمكتبات الإسلامية، ومساعدة الطلاب، إلى جانب حل بعض النزاعات والمشكلات بالطرق العرفية بعيدًا عن مؤسسات الدولة.
وهكذا لم تعد الجماعة مجرد مجموعة من الأشخاص الذين يلتقون داخل المسجد، بل تحولت تدريجيًا إلى قوة اجتماعية لها حضورها وتأثيرها في الشارع.
زلزال 1992.. اللحظة التي اتسع فيها نفوذ الجماعة
ثم جاء عام 1992.
في 12 أكتوبر ضرب زلزال قوي مصر، وترك آثارًا كارثية في القاهرة والجيزة ومناطق أخرى.
انهارت منازل، وتضررت مبانٍ، ووجد آلاف المواطنين أنفسهم في حاجة عاجلة إلى المساعدة.
وفي تلك اللحظة ظهرت الجماعة الإسلامية بقوة أكبر في الشارع.
بدأ أعضاؤها في تقديم المساعدات للمتضررين، وجمع التبرعات، وتوفير بعض الخدمات للسكان.
لكن المسألة لم تكن مجرد عمل خيري، بحسب الروايات التي تناولت تلك المرحلة.
فقد أصبح غياب الدولة أو بطء استجابتها فرصة للجماعة لإظهار قدرتها على إدارة شؤون الناس، وتقديم نفسها باعتبارها الجهة القادرة على الوقوف إلى جانب السكان وقت الأزمات.
ومع الوقت، تضخم نفوذ الجماعة في المنطقة بصورة لافتة.
وفي خضم هذا المشهد، برز اسم جابر ريان باعتباره أحد أبرز قادة الجماعة في إمبابة والمناطق المحيطة بها.
لماذا أُطلق عليه لقب «رئيس جمهورية إمبابة»؟
هنا بدأت واحدة من أكثر فصول الحكاية غرابة.
مع تصاعد نفوذ الجماعة، وصل الأمر إلى وسائل الإعلام الأجنبية.
وبحسب الرواية المتداولة، أرسلت هيئة الإذاعة البريطانية BBC فريقًا لإجراء لقاء مع جابر ريان.
ومن باب تضخيم الصورة الإعلامية، جرى تقديمه على أنه «رئيس جمهورية إمبابة»؛ أي الرجل الذي يفرض نفوذه على منطقة داخل القاهرة وكأنها دولة مستقلة عن الدولة المصرية.
اللقب، على ما يبدو، أعجب جابر.
لكن المشكلة لم تكن في اللقب نفسه، وإنما فيما قيل بعد ذلك.
فقد نُسب إليه تصريح شديد اللهجة مفاده أن إمبابة لم يعد مسموحًا فيها بدخول رجال الحكومة، سواء الشرطة أو قوات الأمن أو حتى رجال المرور.
وهنا تحولت المسألة من نفوذ اجتماعي إلى تحدٍ مباشر لهيبة الدولة.
وبالنسبة إلى السلطات المصرية، لم تكن إمبابة قرية نائية أو منطقة جبلية يمكن عزلها عن الدولة؛ كانت حيًا مكتظًا يقع في قلب القاهرة الكبرى.
وكان السماح بقيام منطقة ترفض سلطة الحكومة أمرًا لا يمكن قبوله.
الدولة تتحرك.. والشرارة تبدأ من شارع الاعتماد
قبل المواجهة الأمنية الواسعة، اتخذت السلطات خطوة بدت في ظاهرها مرتبطة بأعمال خدمية.
وصلت معدات وآليات إلى المنطقة بحجة تنفيذ أعمال رصف وتطوير في شارع الاعتماد.
كان متوقعًا أن يعترض أنصار الجماعة على دخول معدات الدولة، وهو ما حدث بالفعل.
ومن وجهة نظر الدولة، كان المشهد يحمل رسالة واضحة:
الدولة تريد تنفيذ عمل داخل أراضيها، وهناك من يمنعها.
أما الجماعة، فكان يمكن أن ترى في منع المعدات إثباتًا لنفوذها وقدرتها على فرض إرادتها على الأرض.
وهنا أصبح الصدام مسألة وقت.
اقتحام إمبابة.. آلاف الجنود في مواجهة الجماعة
صدر القرار بإنهاء الوضع.
وفي واحدة من أكبر الحملات الأمنية في المنطقة، دخلت قوات الأمن إلى إمبابة بأعداد ضخمة، وقدرت بعض الروايات عدد القوات المشاركة بنحو 22 ألف جندي.
بدأت المواجهات والمناوشات، ثم شنت الأجهزة الأمنية حملة واسعة للقبض على عناصر الجماعة.
لم تتوقف العملية عند اعتقال بعض القيادات؛ فقد جرت عمليات تفتيش واسعة للمنازل بحثًا عن أعضاء الجماعة ومؤيديها.
وبعد أيام قليلة، أُلقي القبض على جابر ريان نفسه.
وبذلك انتهت عمليًا تجربة «جمهورية إمبابة» التي شغلت الصحافة وأصبحت واحدة من أشهر وقائع الصدام بين الدولة والجماعة الإسلامية في مصر خلال التسعينيات.
عادت قوات الدولة إلى الشوارع، وانتشرت الأكمنة ونقاط التفتيش، واستمر الوجود الأمني المكثف في المنطقة لفترة طويلة حتى استقرت الأوضاع.
أما جابر ريان، فكانت بداية مرحلة جديدة تمامًا من حياته.
14 عامًا خلف القضبان
صدر بحق جابر ريان حكم بالسجن لمدة 14 عامًا، وبقي خلف القضبان حتى عام 2006.
وتحدث جابر بعد خروجه عن سنوات السجن، مشيرًا إلى أنه قضى فترات طويلة في الحبس الانفرادي، وأن العزلة أثرت فيه نفسيًا بصورة شديدة.
وبحسب ما نُقل عنه لاحقًا، قال إنه وصل خلال تلك السنوات إلى مرحلة كان يتحدث فيها مع العناكب والصراصير من شدة الوحدة.
لكن قصة جابر لم تنتهِ بخروجه من السجن.
جابر ريان بعد ثورة يناير
بعد اندلاع ثورة 25 يناير 2011، ظهر جابر ريان مرة أخرى في المشهد العام.
توجه إلى ميدان التحرير، وبدأ يتحدث عن قصته أمام الناس، مقدمًا نفسه باعتباره رجلًا تعرض للظلم بسبب أفكاره وموقفه من تطبيق الشريعة الإسلامية وتحرير القدس.
كما حاول أن يعيد تقديم صورته التي التصقت به طوال سنوات طويلة.
لكن واحدة من أكثر القصص إثارة للجدل ارتبطت بفيلم «دم الغزال».
ما علاقة جابر ريان بفيلم «دم الغزال»؟
شخصية رضا ريشة في فيلم «دم الغزال» أثارت منذ ظهور الفيلم مقارنات عديدة مع شخصية جابر ريان، بسبب التشابه بين بعض تفاصيل الشخصية السينمائية وقصة «رئيس جمهورية إمبابة».
لكن جابر نفسه نفى أنه كان يعمل «طبالًا» كما ظهر في الفيلم، مؤكدًا أنه لم يكن الشخص الذي صُوّر بهذه الطريقة.
وفي المقابل، ظهرت شهادات أخرى تقول إنه عمل بالفعل لفترة في مجال الطبل بعد عودته من العراق.
وهكذا بقيت بعض تفاصيل حياته محل خلاف بين الروايات والشهادات، بينما ظلت صورته الأشهر مرتبطة باللقب الذي منحته له الصحافة:
رئيس جمهورية إمبابة.
الحكاية التي بقيت من إمبابة
قصة جابر ريان ليست مجرد حكاية رجل ظهر فجأة في حي شعبي ثم اختفى خلف القضبان.
إنها حكاية مرحلة كاملة من تاريخ مصر؛ مرحلة كانت فيها الجماعات الإسلامية تحاول بناء نفوذ اجتماعي واسع، بينما كانت الدولة تنظر إلى تمدد هذا النفوذ باعتباره تحديًا مباشرًا لسلطتها.
وكان زلزال 1992 نقطة فاصلة، إذ أظهر حجم الفراغ الذي يمكن أن تستغله التنظيمات الاجتماعية والدينية عندما تتراجع قدرة الدولة على الوصول السريع إلى المواطنين في أوقات الأزمات.
وفي النهاية، لم تستمر «جمهورية إمبابة» طويلًا.
فالدولة استعادت سيطرتها على المنطقة، وانتهت التجربة الأمنية التي جعلت إمبابة واحدة من أشهر المناطق المرتبطة بتاريخ الجماعة الإسلامية في مصر.
أما جابر ريان، فقد خرج من السجن بعد سنوات طويلة، ليجد أن اللقب الذي التصق باسمه أصبح جزءًا من الذاكرة الشعبية المصرية:
«رئيس جمهورية إمبابة».. الرجل الذي حاول أن يصنع دولة داخل الدولة، فانتهى به الأمر سجينًا لسنوات طويلة.

إرسال تعليق